من أجل حوار علمي بين الدين والعلمانيين

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة. يستمر الجدال بين العلمانيين والدينيين حول الموقف من الحياة وحقوق الناس والتشريع والفكر. وقرأت مؤخرا مقالا للأستاذ عادل حبه نشر في موقع الحوار المتمدن عنوانه: “العلمانية ركن اساسي في إرساء نظام دمقراطي” ، وأعدت قراءة ذلك المقال أكثر من مرة لأنه أثار أمورا مهمة تستحق في نظري الحوار والمناقشة، وأحاول أن اعلق عليه بالشكل الذي يتفق مع الفكر المتنور والذي يقبل بالرأي والأراء الأخرى. وإيمانا بحرية الرأي والفكر كتبت هذه الملاحظات متمنيا أن يتسع صدر السادة العلمانيين لأفكار ورؤى قد لا يؤمنون بها أو ببعضها، أو أنها لا تناسب بعض ما يدعون إليه. وأردت كذلك التعبير عن وجهات نظر الذين يؤمنون بان الديانات السماوية أنزلت لخدمة الناس وأن الأنبياء أرسلوا رحمة للعالمين. ولست راغبا في مليء الصفحات في التعليق على كل  جملة أو سطر مما في مقال الأستاذ عادل حبه، لكنني سأتناول بالبحث أهم ما جاء فيه.

  1. الأمر الأول، وهو وجهة نظر العلمانيين عن الدين. بداية علينا أن نحدد معنى مصطلح “دين”. الدين في اللغة هو مجموعة عقائد وأفكار وقيم. جاء في القرءان الكريم يخاطب المشركين: “لكم دينكم ولي دين” (الكافرون 6). يريد بذلك أن الإسلام دين وكذلك أن الشرك بالله دين. فكل معتقد أو فكر سياسي أو اجتماعي هو دين. استنادا إلى ذلك تكون البوذية دينا، والإسلام والمسيحية واليهودية أديان، وكذلك الماركسية والنازية والرأسمالية وغيرها، وكل فكر سياسي أو اقتصادي دين. أما إذا استقرأنا ما يريد به الفكر العلماني بمصطح “الدين” فنراه يحدد المعنى بالأديان السماوية، وهو ما أنزله الله تعالى على الأنبياء والرسل من عقائد وقيم ومباديء. لذلك سأناقش الأمر بلحاظ أن الدين كما تنظر إليه العلمانية هو الدين السماوي فقط.

تعتمد العلمانية مبدأً أساسيا في توجهاتها وهو فصل الدين عن الدولة. ولهذا التوجه أسبابه التاريخية نتيجة استغلال أنظمة الحكم الشمولي للدين لتعزيز سلطانها على الناس. ولهذا الموقف مبرراته، لكنه يضع كل اللوم على الدين فقط ويريد أن يعزله عن الحياة، بينما عليه أن يلوم من يستغلون الدين في التسلط على رقاب الناس ظلما واستبدادا. إن أول دولة استغلت الدين لبسط سيطرتها على مقدرات الناس كانت الدولة الرومانية  التي اعتنقت المسيحية عام 325. في أول الأمر ظن رعاة الكنيسة أن المسيحية كسبت لها موقعا يساعد على انتشارها، بينما في حقيقة الأمر أن الدولة استغلت الدين المسيحي غطاء آيديولوجيا لحكمها، كان سهلا ولم يكلفها شيئا؛ فأصبح الاستبداد متشحا باللباس الديني وصار الأباطرة يظلمون الناس باسم الدين، وجعلوا من أنفسهم ظل الله على  الأرض؛ واستطاعوا أن يشتروا ولاء رعاة الكنيسة بمكاسب دنيوية أضرت بنقاوة الديانة المسيحية كما جاء بها عيسى عليه السلام، فأصبح الدين خادما للحكام، وليس للناس كما أريد له أن يكون.

أصبح المنصب البابوي حليفا للأباطرة والملوك. عندما أراد ملك بريطانيا هنري الثامن أن يطلق زوجته، والتي هي ابنة ملك اسبانيا، طلب موافقة البابا على ذلك، لكن البابا رفض طلبه، لأنه كان آنذاك حليفا لملك أسبانيا والد زوجة هنري الثامن، ولم يرد أن يغضب أباها. فما كان من هنري إلا أن أعلن الخروج عن الكنيسة الكاثوليكية، وأسس كنيسة بريطانيا، وعين نفسه رئيسا لها، وشرّع لنفسه أن يطلق زوجته. ومنذ لك الوقت اصبح ملك بريطانيا رئيسا لمل سموها “كنيسة إنكلترا” (Church of England)، وهكذا أصبحت الكنيسة خادمة لأغراض الملك الشخصية. والشيء نفسه حدث في الإسلام، وبعد سنوات قليلة من وفاة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، فاستخدمت الدولة الأموية الدين لخدمة مصالحها الدنيوية وانحرفت عن الإسلام الذي جاء به النبي (ص). واستمر هذا الانحراف في زمن الدول التي تلت: عملها العباسيون، والأمويون في الأندلس، ودولتا الخروفين الأبيض والأسود، والعثمانيون؛ وما زال الإسلام مسخرا لخدمة الملوك كما في بعض الدول المسلمة المعروفة.

إن الإسلام ينكر الاستبداد كليا. وفي القرءان الكريم: “لا إكراهَ في الدينِ.” والله سبحانه يقول للنبي (ص): “أفأنتَ تُكرهُ الناسَ حتى يكونوا مؤمنينَ؟” ثم يقول له: “فذكِّر إنما أنت مذكِّرٌ، لستَ عليهم بمسيطر.” لكن معظم الحكام والسلاطين الذين  تولوا أمور المجتمعات الإسلامية  لجأوا إلى الاستبداد بحياة الرعايا باسم الدين، خدمة لأغراضهم الدنيوية ولعروشهم، والدين براء من ذلك. لنكن منصفين وننظر للأمر بموضوعية. وقف الكثير من علماء الدين بوجه الاستبداد وفضحوه، مثل الشهيد محمد باقر الصدر. في أوائل القرن العشرين كتب أحد علماء الدين الشيعة، وهو الشيخ حسين النائيني، كتابا قيما عن الاستبداد. من أهم ما في هذا الكتاب أنه يحذر أشد التحذير من الاستبداد باسم الدين ويقارن بينه وبين الاستبداد السياسي. يقول المؤلف بأن المستبد السياسي يبقى خائفا مترقبا يظلم الناس ويخشى ثورتهم عليه، وأن حكمه لا يستقيم فلا بد من أن ينتهي يوما مخذولا مهزوما؛ فحكمه زائل لا محالة مهما طال به العهد. أما الاستبداد الأخطر فهو الاستبداد باسم الدين، لأن الحاكم المستبد يدعي بأنه يحكم باسم الدين، وأنه يمتلك الحق الإلهي، وأنه ظل الله على الأرض، فيصبح الناس عاجزين عن مقاومته والتخلص منه، وهذا ما حدث كثيرا في تاريخ الدول الإسلامية، وهناك الكثير من الأمثلة المعاصرة، ولا نريد أن نطيل في ضرب الأمثلة  فهي معلومة لمن يدرس التاريخ.

إن استعمال الدين لخدمة مصالح الحكام من الأمور التي حدثت في بداية العهد الإسلامي، حينما اشترى الحكام بعضا من العلماء والمحدثين ليضعوا لهم أحاديث وإصدار فتاوى تؤيد سلطانهم. أول ذلك ما فعله حكام دولة بني أمية حينما جاء لهم بعض فقهائهم بنظرية الإرجاء والتي تقول بأن ليس من حق الناس محاسبة الحكام على ما يفعلونه من ظلم أو شر، وأن ذلك متروك لله يحاسبهم يوم القيامة، وما على الناس إلا الطاعة والقبول والسكوت؛ وأن الثورة على الحاكم  حتى إن كان ظالما إنما هي خروج عن الدين. ولحد اليوم نسمع من السلفيين ووعاظ السلاطين من يصف ثورة الحسين عليه السلام على حكم يزيد بن معاوية بأنه خروج على سلطة ولي الأمر، فهو خروج عن الإسلام. وللأسف كان هناك من العلماء من ساند الحكام والسلاطين على ذلك على امتداد التاريخ، منذ أن انتهت خلافة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في سنة 40 للهجرة. يرى الأستاذ عادل حبه أن سوء تصرف من نصبوا أنفسهم قيمين على الدين بأن الدين هو الخاسر، وأتفق معه في ذلك. وللإمام علي قول في ذلك في عهده لمالك الأشتر حين عينه واليا علىى مصر: “…فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار، يُعمل فيه بالهوى وتُطلب به الدنيا.” ذلك ما حدث بعد أقل من ثلاثة عقود بعد وفاة النبي محمد (ص). ثم يحذره من الظلم والاستبداد: “…ولاتقولنَّ إني مؤمَّرٌ فأُطاع،  فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين.”  وأسأل من يدعو لفصل الدين عن السياسة ومتهماً الدين: من الذي أفسد الآخر؟ هل أن الدين هو الذي أفسد السياسة، أم أن السياسة هي التي أفسدت الدين؟ وهل أن من الإنصاف أن نجعل الدين في موضع الاتهام فنبعده عن الحياة لسبب سوء تصرف بعض الناس، وبخاصة السياسيين؟

 إن الإسلام يحفظ حقوق الناس، ويكلف العلماء بمسؤولية الدفاع عن ذلك. في حديث لرسول الله (ص): “العلماء ورثة الأنبياء ما لم يدخلوا في الدنيا.” قيل وما دخولهم الدنيا يا رسول الله؟ فقال: “اتباعهم السلطان.” معنى ذلك أن على كل من يسمي نفسه عالما أن لا يكون تابعا للسلاطين، وأن يكون رأيه مستقلا وأمينا على مبادئه. وأكثر من ذلك ان الله جعل العلماء رقباء وحكاما على السلاطين والملوك، يعترضون على الظلم، ويرفضون الظالمين. قال الإمام علي (ع): ” لقد أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا ظالماً على ظلمه.” فإن سكت العالم عن الظلم فقد خان أمانته؛ ومثقف اليوم هو عالم بحكم مستواه الثقافي ومسؤول أخلاقيا عن محاربة الظلم والظالمين. لكننا رأينا المئات من الأمثلة على خدمة علماء ومثقفين للحكام وتبريرهم لأعمالهم، ودعوة الشعب لطاعتهم، حتى في أنظمة حكم كانت تدعي أنها في خدمة أوسع الجماهير، كما حدث في الحقبة الستالينية في الاتحاد السوفييتي حين وقف الكثير من التقدميين في العالم مؤيدين لستالين ومبررين له ما ارتكبه من ظلم بحق الملايين من شعبه. ومثل ذلك وقوف الكثير من المثقفين والفنانين مع صدام رغم علمهم بظلمه وجبروته، فملأ جيوبهم بالمال، وأفرغ ضمائرهم من الحق. إن أخطر ما تعاني منه الأمة الإسلامية، بل وأية أمة غيرها، هو ما يحدث من تحالف بين علماء الدين والسلاطين، حيث يساند أحدهما الآخر، والرابح الأكبر هو السلطان، أما الخاسر الأكبر فهو الدين، ومعه الناس.

  1. ثانيا: كتب الأستاذ عادل حبه: “فالعلمانية الديمقراطية تلتزم بحماية الأديان والمذاهب، وحرية ممارسة أتباعها طقوسهم.” أتمنى أن يكون ذلك حقيقة، وأن نراه واقعا، وبالأخص ما رأيناه من تصرفات رسمية في دولة تعد نفسها أول من اسس للعلمانية، وهي فرنسا. من العجيب أن الدولة التي تدعي أنها مهد الحرية والدمقراطية منذ الثورة الفرنسية، أن نجدها تمنع النساء من ارتداء الحجاب في المدارس والدوائر وأماكن أخرى. هل أن الحجاب عار أو عيب؟ من حق المرأة في فرنسا أن ترتدي أي شكل من الملابس، في الشوارع أوعلى الشواطيء والمسابح، مهما كشفت عن جسمها، ومنهن من تتعرى كليا في البعض من الشواطيء، ولا أحد يعترض. كما أن دور الأزياء جعلت من كشف جسم المرأة مصدرا للربح المادي، وبابا لمتعة الرجال وشهواتهم. فإن كانت فرنسا بلد المودة عالميا فهلا نظروا إلى الحجاب الإسلامي على أنه نوع من المودة، فلا يحرموه؟ إنه لأمر مضحك أن تمنع دولة الحرية والنور كما يدعون لباسا معينا، لا لأنه عيب، بل لأنه يشير إلى ديانة من ترتديه.  هل هذا من حرية ممارسة الطقوس، أوشكل من حماية الدولة العلمانية للأديان والمذاهب، كما يقول الأستاذ عادل؟ كما أن بعض الدول في أوربا منعت أن يكون للمساجد التي تبنى في بلدانهم منائر عالية. لماذا؟ أليس للكنائس ولمعابد اليهود هناك أبراج مرتفعة وعالية؟ أليس ذلك الموقف معادٍ لعقيدة الإسلام؟ أين هي إذا حرية ممارسة الطقوس والعبادات التي تدعي بها  الدول العلمانية؟

  1. ثالثا: يقول الأستاذ حبه: “إن من الأركان الأصلية للديمقراطية والعلمانية هو فصل التعليم العام عن التربية الدينية …والسبب هو وجود تباين وتعارض أساسي بين العلوم الطبيعية التي تدرس في المدارس وبين المفاهيم والمسلمات الدينية.” يرى العلمانيون مثلا صعوبة الجمع بين نظرية داروين حول النشوء والتطور و نظريات علمية أخرى من جانب، وبين النصوص الدينية حول الخليقة من الجانب الآخر. هل أن النظريات العلمية، على جلال قدرها، حقائق مطلقة لا تتغير؟ إن كل نظرية علمية عن الطبيعة إنما هي مجرد فرضية قد تصح في سياق بحث معين، وقد تنقض بعد مدة بنظرية غيرها. هل أن نظرية أينشتاين في النسبية مطلقة وأبدية؟ قال ألفريد هويل سنة 1964 بأنه قد ثبت لديه بأن من الممكن للأجسام أن تتحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء بخلاف ما تقول به النظرية النسبية لأينشتاين، وهناك اليوم أدلة كثيرة على احتمال صحة الرأي الجديد.

كان علماء الفلك حتى أوائل القرن العشرين يعتقدون بأن الكون ثابت الحجم والشكل، ثم أثبت لهم العالم الفلكي الأميركي “أدون هبل” بأنه في توسع مستمر، وجاء بنظرية الانفجار الكبيركبداية للكون المعروف. بعد ذلك قال علماء آخرون بأن هذا التوسع لابد أن يتوقف يوما نتيجة نضوب الطاقة التي تجعله يتوسع؛ لكن آخر الإكتشافات أثبتت بأن الكون يتوسع وبتسارع مضطرد، وأنه سينتهي في يوم ما إلى لاشيء؛ أو يعود طاقة، مثلما بدأ أول أمره طاقة تحولت إلى مادة. والقرءان يثبت هذه الحقيقة في أن الكون ذاهب إلى زوال، وأن أكوانا غيره موجودة، وستخلق أكوان غيرها من جديد. قال تعالى: “يبدأ الخلق ثم يعيده.” وقال عز وجل: “كما بدأنا أول خلق نعيده.” لذلك لا يمكننا أن نعد تعليم العلوم الطبيعية بموجب آخر المكتشفات العلمية هو أفضل ما نفعله، وأن النظريات العلمية صحيحة كليا وأبدا، وأن على المتعلمين الأخذ بها بدون نقاش لأنها أزلية الحقيقة، وأن ننكر كليا ما في الكتب السماوية إن لم تتفق معها.  إن علينا أن ننظر إلى العلوم الطبيعية بأنها حقائق مؤقتة، وليست أزلية. كانت الكنيسة تكفّر كل من يقول بكروية الأرض، وتحكم عليه بالموت. وكذلك نجد اليوم من بعض العلماء السلفيين المسلمين من يعد كل من يقول بأن الأرض كروية كافرا يستحق الموت. فهل نسقط هذه المواقف والآراء على الدين؟ في القرن الهجري الثاني كان الإمام جعفر الصادق عليه السلام من علماء الطبيعة والكيمياء، ومن أبرز تلامذته العالم الشهير جابر بن حيان. قال الإمام الصادق بكروية الأرض، وأنها تدور حول محورها.

  1. رابعا: ترى العلمانية أن الناس أحرار في تشريع ما ينفع مجتمعهم من القوانين والتشريعات، ويعلق الأستاذ عادل حبه على ذلك: “إن بلدا مثل السويد يقع في قمة الدول المستقرة والتي لا يستشري فيها الفساد، وتشاع فيها القيم الإنسانية والأخلاقية بعد أن فصلت الدين عن الدولة.” يثير هذا التصريح التساؤل إن كان الكاتب يرى حقا بأن فصل الدين عن الدولة يشيع القيم الإنسانية والأخلاقية في المجتمع. لنختبر نتائج ما شرّع الناس لأنفسهم في حياتهم اليومية ولقيمهم الأخلاقية بعيدا عن الدين. بداية إن الأديان السماوية جائت بقيم اجتماعية وأخلاقية نبيلة وسامية. جاء نبي الله موسى (ع) بالوصايا العشر، وكلها تريد الخير للإنسان. وعندما انحرف بنو أسرائيل عنها بعث الله فيهم عيسى المسيح (ع) لإصلاح ما أفسدوه من تعاليم اليهودية التي جاء بها موسى. أما الإسلام فقد ختم الرسالات السماوية بقيم ومثل عليا في الإخلاق عبر عنها رسول الله (ص) بقوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.” فليس من الإنصاف أن نعد سلوك البعض من المسلمين المنافي للدين صورة للإسلام. كما قال النبي (ص): “الدين حسن الخلق.” وقال أيضا: “الدين المعاملة.” وكلها تربية أخلاقية سامية. وأتسائل: أين هي مكارم الأخلاق فيما سأبينه في أدناه عن تشريعات بعض الأنظمة العلمانية؟

فيما يتعلق بمصادر التشريع جاء في مقال الأستاذ عادل: “…ففكرة العلمانية أكدت على أن تشكيل الحكومة والتشريع وسن القوانين هو حق الشعب الذي لا ينازعه فيه أحد. فالحكم ينبثق من الشعب ولخدمته ويعتمد مشروعيته على إرادة الشعب وحده، وليس على قوة ليست على تماس مع المواطن وغير معروفة.” يؤمن المتدينون بالروح إلى جانب الجسد المادي، وبقوة غيبية قدرتها ملموسة نراها حولنا أينما توجهنا، وأنها مصدر الخير وتدعو للفضيلة ومكارم الأخلاق، وأن التشريع بوحي منها إنما هو لخير البشر. ونسأل: هل أن العلوم المادية استطاعت أن تجيب على كل الأسئلة التي تواجه الفكر الإنساني؟ وهل نستطيع الاستغناء كليا عن الاعتقاد الديني؟ قال أينشتاين: “إن العلم أعرج بدون الدين، والدين أعمى بدون العلم.” وعن سبب انصرافه لبحث العلمي قال هذا العالم: “أردت أن أعرف كيف خلق الله الكون”. لا يستطيع أحد أن ينكر مقدار تشجيع الإسلام على العلم وتقديره للعلماء، في تقديره للعلماء قال النبي (ص): “لمدادٍ جرت به أقلام العلماء خير من دماء الشهداء في سبيل الله.” ويعد التفكير في الكون والخلق أفضل من العبادة. فقال أيضا: “فكرةُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة ستينَ سنةٍ.”

لننظر أين سنكون إن أدرنا ظهورنا للتشريع الرباني، واقتصرنا على ما يشرّع لنا بعيدا عنه. منذ بداية المجتمع الإنساني صارت العائلة وما زالت أنبل وأعظم مؤسسة اجتماعية، ينمو فيها الصغار في دفيء وسلام ورعاية الوالدين، وتتفق كل المجتمعات على ذلك. فهل بقيت العائلة مصونة في بعض الأنظمة العلمانية التي راحت تشرع لمجتمعاتها ما يخرب هذا البناء الأساسي الذي يحقق الترابط العائلي والسلم الاجتماعي؟ قال لي أحد السويديين بأن من الممكن لأي سويدي أن يتزوج من اخته. فسألته إن كان ذلك قانونيا؟ فقال لا، إنما يمكن لمن يريد ذلك أن يقدم طلبا للملك ليسمح له، والملك يقبل ويوافق وتكون موافقته قانونا خاصا باعتباره السلطة العليا في البلاد. وهاكم أمرا آخر. كان الشذوذ الجنسي يعد جريمة في الكثير من الدول الأوربية، فلحد الخمسينات كان بإمكان أي شرطي في بريطانيا أن يلقي القبض على أي رجلين يسلكان ما يتصوره الشرطي سلوكا شاذا بموجب القانون. لكنهم بعد ذلك راحوا يقبلون بالشذوذ الجنسي، بين رجلين، أو بين امرأتين، فشرعوا قانونا يقول بحق كل اثنين مثلين أن يمارسا العلاقات الجنسية بينهما إن كانا بالغين ومتفقين وبعيدا عن الأنظار؛ فتألفت جمعيات للشواذ جنسيا، وراحوا يعقدون المؤتمرات والتضاهرات علنا، ولهم صحفهم ونشراتهم العلنية.  ثم تطور الأمر إلى أن شرعت بعض الدول قوانين تبيح الزواج بين رجلين، وكذلك بين امرأتين، وأصبح هؤلاء يعلنون عما يفعلون ويحتفلون به علنا وبدون خجل أو إحراج، بل ويفتخرون به؛ مثال ذلك أن مدينة سدني في أستراليا سميت بعاصمة الشاذين في العالم The gay capital of the world. في نيوزيلند كان البغاء جريمة في القانون؛ ثم شرعوا قانونا يعد البغاء مهنة شرعية، فانتشرت دور البغاء في البلد. ومن أغرب النتائج لذلك أن ضابطة في الشرطة راحت تمارس البغاء بعد أوقات عملها كسبا للمال واعترفت بما تفعل، مدعية بأن ذلك لا يشكل مخالفة قانونية، وبخاصة أنها تدفع للدولة ضريبة عن دخلها من البغاء. أين سيكون مصير العائلة إذاً، وهي أعظم مؤسسة إنسانية؟ إن الشرائع السماوية تدعوا لمكارم الأخلاق، فإلى ماذا تدعوا هذه التشريعات العلمانية؟ يحدث كل هذا نتيجة أن البشر أعطى لنفسه الحرية المطلقة في تشريع القيم والقوانين الاجتماعية والسلوكية بعيدا عن القيم السماوية النبيلة، فانساق أحيانا مع شهواته وهواه، بينما يدعونا الله لمكارم الأخلاق. إنني أسأل أي علماني يحترم نفسه ويقدس عائلته إن كان يتفق مع هذه التشريعات التي ذكرت أنها شرّعت في أنظمة علمانية.  وأكثر من ذلك أن بعض الدول شرّعت تناول أنواع من المخدرات، وما سيأتي ربما أكثر إذا ما استمرت النزعات التشريعية بعيدة عن القيم الخلقية السامية ومصدرها. وليس الأمر مقتصرا على التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، بل أن الحريات السياسية أيضا تعرضت للانتهاك في دول علمانية متحررة، مثلما حدث في الولايات المتحدة عندما ظهرت النزعة المكارثية في الخمسينات والتي كانت تتهم كل فكر متحرر بالشيوعية، وغيره كثير مما يطول البحث فيه.

وتأكيدا على ما أوردته: أقترح على الزملاء من العلمانيين أن يقرأوا وبموضوعية، وهم المعروف عنهم السعي وراء الثقافة الواسعة ويكثرون القراءة، أن يقرأواعهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر حين عينه واليا على مصر، ليكتشفوا فيه وبتفصيل دقيق أسس بناء دولة المجتمع المدني في ضوء العقيدة الإسلامية؛ فسيجدون  في ذلك العهد وصفا كاملا وشاملا لواجبات الدولة تجاه المواطنين مهما كانت عقائدهم ودياناتهم، وما هي مؤسسات المجتمع المدني التي تدير أمور الدولة، وما هي مواصفات من يتولى أية مسؤولية عامة، وما هي حقوق الناس في دولة الإسلام ، المسلمين منهم وغير المسلمين؛ يضاف لذلك ما فيه من التربية الأخلاقية والإيمانية التي ترفع الإنسان من درجة الشهوة البهيمية إلى مستوى الإنسان الراقي المتمدن.  أرى أن ما في ذلك العهد خير جواب على العلمانية فيما تدعيه بأن الدين يجب أن يكون بعيدا عن السياسة.

وختاما أدعو العلمانيين أن لا يديروا ظهورهم للدين ولمبادئه كليا، وأن يقرأوه بشكل موضوعي ويقرّوا بما يدعو إليه من مكارم الأخلاق والرغبة في سعادة الإنسان، وأن لا ينكروا على الناس إيمانهم بالغيب، فذلك من حرية الرأي والمعتقد.  كما أرجو من المتدينين أن لا ينكروا على العلمانيين وغيرهم  موقفهم ممن يمارس الاستبداد باسم الدين ويسيء إليه ويستغله للهيمنة على حياة الناس انحرافا عما يدعو الدين إليه، وهو صيانة كرامة الإنسان وحقه في الحياة الحرة الكريمة؛ فإن الدين نفسه يحرم الاستبداد والظلم.

الدكتورعبد المنعم الناصر

  dramnasser@gmail.com

 

   
Copyrights (c), AhlulBayt Centre North Shore